ابن قيم الجوزية

508

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قصده : فهذا - لو صح - لكان قرب قدرة وعلم وإحاطة ، لا قربا بالذات والوجود . فإنه سبحانه لا يمازج خلقه ، ولا يخالطهم ، ولا يتحد بهم . مع أن هذا المعنى لم يرد عن اللّه ورسوله ، ولا عن أحد من السلف الأخيار تسميته قربا ، ولم يجئ القرب في القرآن والسنة قط إلا خاصا كما تقدم . وإن أردتم القرب الخاص إلى اللسان والقلب : فهذا قرب المحبة ، وقرب الرضى والأنس ، كقرب العبد من ربه وهو ساجد . وهو نوع آخر من القرب . لا مثال له ولا نظير . فإن الروح والقلب يقربان من اللّه وهو على عرشه ، والروح والقلب في البدن . وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك . وهذا القرب لا ينافي القصد والطلب ، بل هو مشروط بالقصد . فيستحيل وجوده بدونه . وكلما كان الطلب والقصد أتم : كان هذا القرب أقوى . فإن قيل : فكيف تصنعون بقوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) [ ق : 16 ] . قيل : هذه الآية فيها قولان للناس : أحدهما : أنه قربه بعلمه . ولهذا قرنه بعلمه بوسوسة نفس الإنسان . و « حبل الوريد » حبل العنق ، وهو عرق بين الحلقوم والودجين الذي متى قطع مات صاحبه . وأجزاء القلب وهذا الحبل يحجب بعضها بعضا . وعلم اللّه بأسرار العبد وما في ضميره لا يحجبه شيء . والقول الثاني : أنه قربه من العبد بملائكته الذين يصلون إلى قلبه . فيكون أقرب إليه من ذلك العرق . اختاره شيخنا . وسمعته يقول : هذا مثل قوله : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف : 3 ] وقوله : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) [ القيامة : 18 ] فإن جبريل عليه السلام هو الذي قصه عليه بأمر اللّه . فنسب تعليمه إليه . إذ هو بأمره ، وكذلك جبريل هو الذي قرأه عليه . كما في « صحيح البخاري » عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في تفسير هذه الآية « فإذا قرأه رسولنا فأنصت لقراءته حتى يقضيها » . قلت : أول الآية يأبى ذلك . فإنه قال : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ ق : 16 ] قال : وكذلك خلقه للإنسان إنما هو بالأسباب ، وتخليق الملائكة . قلت : وفي « صحيح مسلم » من حديث حذيفة بن أسيد رضي اللّه عنه في تخليق النطفة « فيقول الملك الذي يخلقه : يا رب ، ذكر أم أنثى ؟ أسويّ أم غير سوي ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك » فهو سبحانه الخالق وحده . ولا ينافي ذلك استعمال الملائكة بإذنه ومشيئته وقدرته في التخليق . فإن أفعالهم وتخليقهم خلق له سبحانه . فما تمّ خالق على الحقيقة غيره . والمقصود : أن هذا موضع ضلت فيه أفهام ، وزلت فيه أقدام ، واشتبهت فيه معية العلم والقدرة والإحاطة بالقرب . واشتبهت فيه آثار قرب المحبة والرضى والموافقة ، وغلبة ذكره ، ومراقبته بقرب ذاته . واشتبه فيه ما في الذهن بما في الخارج . واشتبه اضمحلال شهود الرسم وانمحاؤه من القلب بعدمه وفنائه . واشتبهت فيه آثار الصفات بحقيقتها ، وأنوار المعرفة بأنوار الذات .